محمد الريشهري
264
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
هنا لا ينقادون للإسلام ، وهل الإسلام إلاّ التسليم للحقّ ، والإقرار به ، والخضوع له بعد فهمه ؟ والمؤسف أنّ مشكلة الخوارج الكبرى قد تمثّلت في توجّهاتهم المتطرّفة المفرطة اللا متناهية ، لذلك آلَ أمرهم إلى حكمهم بالكفر على كلّ من لا يرى رأيهم ولا يعمل عملهم ! نقطة البداية في الانحراف إنّ عدداً من المسلمين في عصر صدر الإسلام لم يتلقّ تحذير النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) من " التعمّق " بكثير من الجِدّية ؛ لأسباب سنعرضها عند الحديث عن جذور " التعمّق " ؛ فهؤلاء قد تجاوزوا السنّة النبويّة ، وأفرطوا في نزعاتهم حتى وقحُوا في بعض المرّات واجترؤوا يؤاخذون النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) إذ كان ( صلى الله عليه وآله ) في أحد الأيّام مشغولاً بتوزيع الغنائم ، وقسمتها بمراعاة مصالح معيّنة ، فهبّ أحد هؤلاء " المتقدّسين " ، وقد سوّلت له نفسه أنّه أعدل من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في القسمة بزعمه ، وطلب منه أن يعدل في التوزيع ! وطعن في تقسيمه القائم على التعاليم القرآنيّة ، وكان أثر السجود بائناً على جبهته ، ورأسه محلوق على طريقة " المتقدّسين " يومئذ ورفع عقيرته بغلظة وفظاظة قائلاً : " محمّد ، والله ما تعدل ! " فقال له النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) مُغضباً : ويحك ! فمن يعدل إذا لم أعدل ؟ ! وَهَمَّ الصحابةُ بقتله لموقفه الوقِح هذا ، بَيْد أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) منَعهم ، وحكى لهم صورةً عن مستقبله ، وأنبأهم بأنّه ورفقاءه بعيدون عن الحقّ من منطلق " التعمّق " وقال : " سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتى يخرجوا منه " .